مقال حول المشاريع الصغيرة والمتوسطة  يناير 2015م

تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

اهم المشاكل التي تواجه قطاع الاعمال الصغيرة والمتوسطة في عمان

لقد سبق لي ان اوضحت بأن العديد من الدراسات توصلت الى ان من اهم المشاكل التي تواجه قطاع الاعمال الصغيرة والمتوسطة في عمان تكمن في بيئة العمل حيث ان (1) الادارة الحكومية لا تزال تفرض حواجز مرهقة للولوج الى السوق والنمو (2) وان الدور التنظيمي للدولة يجب ان يتمثل في ضمان الفرص المتكافئة بين رجال الاعمال وإنفاذ تشريعات تحقق المنافسة العادلة (3) غياب استراتيجية واضحة في مجال تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة (4) وعدم توفر المؤسسات الكفيلة لإنجاح الاستراتيجية.

وبالرغم من تكثيف المبادرات خلال السنين الماضيتين لتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة في السلطنة والتي توجت بقرارات ندوة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي عقدت بسيح الشامخات و إنشاء الهيئة العامة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة  إلا ان النتائج ما زالت تتسم بآداء لا يتناسب مع عمل نهج شامل ومتكامل وشابها الكثير من القصور في السياسات والتشريعات ، كما أن البيئة الكفيلة بنجاحها ما زالت غير متوفرة وبالتالي لا يمكن اعتبار تلك الجهود إلا بداية لمسيرة طويلة يتوجب استكمالها من خلال تحسين بيئة العمل وتحديد ومعالجة معوقات العرض والطلب التي تؤثر على المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السلطنة، لزيادة عدد العاملين لحسابهم الخاص وتوفير فرص عمل للمواطنين .

لقد حذرت قبل ندوة الشامخات سنة  2013م   بضرورة ادراك أن  الاعمال الصغيرة والمتوسطة سوف تحارب في جبهتين ، جبهة احتكار الاعمال المتمثلة في الشركات الكبرى ، وجبهة الهيمنة العددية المتمثلة في العمالة الوافدة التي تهيمن على المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتمارس التجارة المستترة وأن الاساس في اية سياسات يجب ان تنبثق من تفهم تركيبة سوق العمل واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتوسيع قاعدة المشاركة وإيجاد البيئة الكفيلة بمنح فرص النجاح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يديرها ويعمل بها العمانيين .

استراتيجية وسياسات الاعمال الصغيرة والمتوسطة

حتى الآن استراتيجية الهيئة ما زالت غير واضحة للكثيرين من المتابعين خاصة فيما يتعلق بالقطاعات المستهدفة والارقام المستهدفة لتحقيق فرص عمل للمواطنين العمانيين. واعتقد أنه من الضروري أن تكون برامج الدعم الحكومية لديها أهداف واضحة وان لا تكون مفتوحة لجميع القطاعات وأن تكون تدريجية وتركز على قطاعات فرص نجاحها جيدة  وهذا يتطلب تطوير سياسات متكاملة لدعم ريادة الأعمال وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في جانب العرض والطلب وبناء القدرات المؤسساتية والفنية، وتشمل العوامل التكاملية لإنجاح هذا القطاع ، والعمل على إيجاد تكامل رأسي  بين الصناعات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة الحجم ، وبحيث تضمن تطوير برامج وطنية ، أولاً لدعم SMEs القائمة مثل مشاريع “العنقدة” Clustering الأفقية والعمودية، وثانياً لدعم توليد SMEs جديدة تحقق قيمة مضافة للإقتصاد العماني وتمكنها من توفير فرص عمل مجزية للعمانيين.

اعتقد ان نقطة الانطلاق لتنمية الاعمال الصغيرة والمتوسطة التي تفيد الاقتصاد العماني يجب أن تبدأ في اعادة تعريف المنشآت الصغيرة والمتوسطة حيث أن تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يختلف من دولة لأخرى ، وعادة ما يرتبط بهيكلية اقتصاد الدولة ودرجة النمو الذي بلغته ، وقد تصنف مؤسسة تمارس نشاط محدد في إحدى الدول بأنها من المؤسسات كبيرة الحجم، إلا أنها في الوقت ذاته يمكن أن تصنف في بلد آخر على أنها من المؤسسات الصغيرة . وتستخدم الدول معايير مختلفة لتحديد المشروعات الصغيرة والمتوسطة مثل: معيار رأس المال المستثمر و معيار القيمة المضافة  ومعيار قيمة المبيعات السنوية و معيار عدد المشتغلين بالمنشأة  الذي يعتبر من  أكثر المعايير استخداماً لسهولة استخدامه.  وتمزج بعض الدول بين تلك المعايير بما ينسجم مع وضع سوقها المحلي وطبيعة القطاع الذي ينتمي إليه نشاط المنشأة لتعريف المنشأة الصغيرة بتحديد نوعية البرامج التي يتطلبها تنمية المنشآت الصغيرة وتوفير الخدمات الداعمة لها.

وفق تركيبة منشآت القطاع الخاص في السلطنة يتضح  أن  حوالي 88% من المنشآت التجارية التي تمارس نشاطها حاليا يمكن اعتبارها من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة – مؤسسات الدرجة الثانية الى الرابعة –  وحوالي  95% من العاملين فيها من الوافدين بينما لا يتجاوز عدد العمانيين  العاملين فيها  نسبة  5 %  من اجمالي العمانيين العاملين في القطاع الخاص في الوقت الذي توفر تلك المنشآت حوالي 53%  من اجمالي فرص العمل المتوفرة للعمالة الوافدة في القطاع الخاص  ، ومن هذا المنطلق يجب ان يتمثل الدور المحوري لاستراتيجية تنمية المشاريع الصغيرة في وضع السياسات التي تربط سياساتها بآليات تشغيل الباحثين عن عمل من العمانيين، وبحيث تكون العمالة الوافدة فيها في أضيق الحدود وفي إطار اعداد محدودة للغاية يتمثل في توفير بعض الخبرات أو الحد الأدنى من العمالة غير الماهرة المتدنية الاجور، والتي لا يمكن توفير بديل لها من المواطنين، وبدون ذلك فإنه لن يكون هناك أي مجال لتعديل التركيبة الحالية المشوهة.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار هيكلية الاقتصاد العماني الحالي ، فمن الضروري الانطلاق من تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في السلطنة بما ينسجم مع التعريف المتفق عليه في معظم الأدبيات الاقتصادية مع ضمان تحقيق الأهداف المتوخاة من تلك المؤسسات وعلى النحو الآتي :-

  • أن يتفرغ لإدارتها مالكها بصفته الشخصية، ويكون هيكلها التنظيمي أفقياً، وبحيث لا يفوض المالك وافداً في إدارة المؤسسة.
  • أن تكون مستقلة ولا تنتمي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مؤسسة أخرى لا تدخل ضمن تصنيف المؤسسات الصغيرة ولا يمكن في اي حال من الاحوال اعتبار الفروع أو المنشآت الشقيقة للشركات الكبيرة من المنشآت الصغيرة حتى اذا توفرت فيها الشروط الاخرى للشركات الصغيرة.
  • أن تكون أغلبية العاملين فيها من المواطنين.

ويكمن أهمية التعريف في خدمة الهدف الرئيس من الترويج للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والذي يتمثل في توفير فرص العمل للعمانيين حتى لا يتم استغلال المزايا في تكريس مساوىء الوضع الحالي وزيادة حجم التجارة المستترة في هذا القطاع وتوفير ضمانات نجاحه بجانب حمايته حتى لا يكون مشابها لنمط الاعمال الصغيرة والمتوسطة السائدة الان في السوق والتي تمثل حوالي 88% من المنشآت التجارية الحالية كما هو موضخ اعلاه.

ومن خلال التعريف يمكن إجراء التحليلات الاقتصادية وتقويم كفاءة المشروعات وتحديد أدوار المنشآت الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بحيث تساعد تلك البيانات الجهات الحكومية في تحديد السياسات التي تمكن تلك المشاريع من تحقيق التنمية الاقتصادية، نظرا للأهمية الكبيرة  التي توليها تلك المشاريع في توفير فرص العمل، خاصة أن المؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة  عالميا  تولد فرص عمل أكثر من مشاريع التوظيف الذاتي ، وتزيد عن (80%) من فرص العمل .

علاج اشكالية الطلب على خدمات الاعمال الصغيرة والمتوسطة

لقد عالجت توصيات الشامخات الكثير من مشاكل العرض فيما يتعلق بالأعمال الصغيرة والمتوسطة خاصة في عمليات التمويل واتسهيلات الاخرى ، وفيما يتعلق بالطلب على خدمات الاعمال الصغيرة والمتوسطة لقد قررت توصيات الشامخات تخصيص ما نسبته 10 % من المناقصات والمشتريات الحكومية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة واشك في امكانية تطبيق مثل هذا القرار وبهذه الصيغة خاصة ان قرار مماثل اتخذ منذ اكثر من 20 سنة في السلطنة وتقرر الغاؤه أنذاك لأن تلك الحصص كانت من جهة تذهب الى شركات شقيقة ومن جهة اخرى تسببت في تأخير تنفيذ الكثير من المشاريع الحكومية الكبيرة وكانت مبررات الشركات ان التأخير ناجم عن اخفاق المؤسسات المسند اليها جزء من الاعمال بالباطن انجاز عملها بدون تأخير. ومن الناحية القانونية كذلك لا يمكن الزام الشركات بتخصيص 10% من اعمالها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة ما لم يتم تضمين ذلك في مستندات طرح المناقصات ، وهناك مشاكل كذلك في التنفيذ فيما يتعلق ببعض السلع التي لا يمكن تجزئتها مثل شراء الادوية او السلع الغذائية . وحتى في حالة تنفيذ هذه التوصية فإنه لا يمكن تطبيقها من الناحية العملية لأن الطاقة الحالية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لا يمكنها استيعاب تلك الاعمال ، لذا فإنه من الضروري اعادة النظر في هذه التوصية والتركيز على الهدف من وضعها ومن ثم ايجاد بدائل افضل لتحقيق ذات الهدف.

إن الأمر يتطلب اصدار قانون لدعم المنتجات والخدمات العمانية الذي يعرَّف المنشآت العمانية على أساس إدارتها ونسب العمانيين العاملين بها بدلا من نسبة ملكيتهم من رأس مالها ،  وإدراج تلك المنشآت ضمن منظومة سياسة المشتريات الحكومية مع وضع الضوابط والأولويات المنظمة لقيام الوحدات والشركات والمشاريع المملوكة للدولة لشراء منتجاتها وخدماتها ، على أن تشمل وضع آليات لاستخدام المشتريات الحكومية والمؤسسات العامة كأداة لتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال منح الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي ينطبق عليها التعريف مزايا خاصة ، بحيث تمنح أولوية مطلقة في كافة المشتريات والخدمات الحكومية التي تسند مباشرة أو من خلال الشركات الحكومية والتي لا تتجاوز قيمتها مبلغ 50  ألف ريال.

محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي

رئيس مجلس ادارة الجمعية الاقتصادية العمانية

15 يناير  2015 م

Shopping Cart
Scroll to Top