مقابلة حول أنشطة الجمعية وتوصيات المؤتمر
الخاصة بالاستثمار العقاري والتركيبة السكانية في المنطقة
مجلة الخزينة التابعة لجريدة الشبيبة مارس 2012م.
- حدثنا عن الجمعية الاقتصادية العمانية وماذا عن الدور المنطوي عليها وابرز مهامها ؟ وهل لديكم أليات لمتابعة توصياتكم ؟ وما هو حصادها حتى الآن ؟
عقدت الجمعية التأسيسية للجمعية الاقتصادية العمانية اجتماعهاً في شهر رمضان من سنة 1422هـ الموافق ديسمبر 2001م وقررت تأسيس الجمعية وتشكيل أول مجلس إدارة لها، و تم تقديم أوراق شهر الجمعية إلى وزارة التنمية الاجتماعية في شهر يناير 2002م، وصدر قرار الإشهار في أكتوبر 2004م، وبعد ذلك بدأ مجلس الإدارة التأسيسي أعماله وتحديد أولوية أنشطته.
الجدير بالذكر انه قد تم اشهار الجمعية في نفس الفترة التي صدر فيها التقرير الأول للتنمية البشرية في السلطنة و الذي خلص إلى أن ” إدارة شؤون المجتمع والدولة إدارة سليمة مرهونة بقيام علاقات صحيحة ومتوازنة بين القوى الفاعلة التي تتألف منها ثلاثية الحكم وهي الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني” وقد عرف التقرير المجتمع المدني بأنه ” يتشكل من نطاق واسع من التنظيمات المختلفة في أغراضها وأحجامها وهياكلها التنظيمية وأساليبها في جمع الموارد اللازمة لمباشرة نشاطاتها وينتظم في هذه المنظمات أفراد مستقلون يعملون طوعاً بشكل جماعي لتحقيق هدف مشترك في بيئة أو محيط عام للتعبير عن مصالحهم وأفكارهم ومبادئهم.
أود أن أشير إلى أن الجمعية الاقتصادية العمانية لا يعمل بها أي موظف ولا تدفع أي أجور أو رواتب وجميع مهامها يقوم بها مجلس الإدارة والأعضاء الذين يقدمون خدماتهم على أساس تطوعي ولا يحقق لهم أي مردود مادي، ويسعون لممارسة نشاطهم بمهنية ومنهجية علمية وفي إطار أهداف الجمعية التي تمارس نشاطها تحت اشراف وزارة التنمية الاجتماعية، وتعتبر الجمعية نفسها شريك فاعل في التنمية الشاملة للبلاد وبما يتفق مع ما ورد في التقرير الأول للتنمية البشرية في عمان،
الجمعية ليست جهة تنفيذية ولا تشريعية وعملنا لا يخرج عن إطار أهداف الجمعية والتي تتضمن العمل على توطيد الصلات وتوثيق التعاون العلمي والفني بين الإقتصاديين في السلطنة من جهة وبينهم وبين زملائهم في الدول العربية وباقي دول العالم من جهة أخرى وكذلك إقامة المؤتمرات والمحاضرات والزيارات وتبادل المعلومات مع الجمعيات والمؤسسات المهنية الأخرى، إن ما يهمنا توسعة مدارك أعضاء الجمعية والتوعية العامة . و تقوم الجمعية برفع توصياتها الى الجهات التي من المفترض ان تكون مشرفة على الاداء الاقتصادي للدولة وكذلك إلى مجلسي الدولة والشورى ونادرا ما تستلم إشعار رسمي أو مباشر بإستلام توصياتها ولكننا نلاحظ بعض الردود غير المباشرة في الإعلام على القضايا التي نثيرها ، كما نرى بعض توصياتها تأخذ حيث التنفيذ في شكل مبادرات من بعض الجهات الرسمية – وهذا هو المهم – ولو كان ذلك بدون الاشارة إلينا.
وفي الوقت نفسه نحن على يقين أن توصياتنا تصل للمسؤولين عن الاقتصاد العماني ويتم تدارسها، ولكن هل تتفق تلك التوصيات مع وجهات نظرهم وما الذي بوسعهم تنفيذه منها فإن ذلك موضوع آخر يتحملون مسؤوليته.
- ما هي ابرز الانجازات التي حققتها الجمعية منذ انشائها؟
لقد نظمت الجمعية خلال فترة عمرها القصير خمسة مؤتمرات تطرقت لقضايا التنمية فى إطارها المتكامل، الاقتصادى والمالى، الإدارى والتنظيمى، الاجتماعى والثقافى والسياسى، حيث عقد المؤتمر الأول للجمعية خلال شهر سبتمبر من سنة 2005 تحت عنوان الاقتصاد الجديد – وكان ذلك المؤتمر اول مؤتمر اقتصادي يعقد في حرم جامعة السلطان قابوس – وتم في ذلك المؤتمر طرح قضية الفجوة بين الدول النامية والعربية من ناحية والدول المتقدمة من ناحية أخرى، والتى رأى المؤتمر أنها تتعاظم يوما بعد يوم، وأن الحد من حجم الفجوة يتطلب وضع وتطبيق سياسات عامة متناسقة لقطاعات التكنولوجيا والاقتصاد والتجارة تمكن من تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، ومواجهة تهديدات التهميش الناجمة عن العولمة، كما يجب أن ينطلق تكامل السياسات من أعلى المستويات فى الدولة لإيجاد بيئة تنسجم مع إطار العناصر الأساسية للاقتصاد المعرفى الذى حددت معاييره المنظمات الدولية بدقة. كما ناقش المؤتمر دور الاقتصاد الجديد فى إصلاح القطاعين العام والخاص وتحديثهما وتكاملهما فى البلاد النامية، والاقتصاد المبنى على المعرفة كمدخل فى زيادة الاستثمار المبنى على المعرفة فى المنطقة العربية.
وتناول المؤتمر الثانى (مارس 2007) موضوع: الحاكمية، التنافسية والمستقبل ، وسعى الى إبراز دور الحاكمية والتنافسية فى تحقيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العمانى عمان 2020، ودور حوكمة الشركات فى تحسين الكفاءة الاقتصادية والنمو الاقتصادى وتعزيز ثقة المستثمر، وإبراز الإطار القانونى والمؤسسى والتنظيمى الخاص بحوكمة الشركات و علاقة الحوكمة بأخلاقيات الأعمال، ومدى إدراك الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية والبيئية فى المجتمعات التى تعمل فيها. وأكد المؤتمر الثانى على أن “الحكم الجيد لا يكون جيدا إذا عجز عن تحقيق التنمية البشرية..”، واعتبر أن الشفافية هى توافر المعلومات، فضلا عن صحتها ودقتها واكتمالها، وأن المحاسبة تعنى أن يكون الموظفون العموميون خاضعين للرقابة والمساءلة عن ممارساتهم للسلطات المخولة لهم وأن يتقبلوا تحمل المسئولية (ولو جزئيا) عن الفشل أو عدم الكفاءة أو الغش وأن يستجيبوا للنقد ويعلنوا قراراتهم فى ضوئه.
بينما ركز المؤتمر الثالث في (مارس 2009) على قضية المساءلة والشفافية، ليشكل حلقة أكثر دقة فى مسار التنمية المتكاملة، ومناقشة سبل تحقيق نقلة “نوعية” فى إدارة عمليات النمو الاقتصادى لتعزز قدرة المجتمع على تحقيق تنمية إنسانية متكاملة.
وعقد المؤتمر الرابع في (ديسمبر 2010) تحت عنوان فرص وتحديات التنمية المستدامة في دول مجلس التعاون في ظل التكامل الخليجي ، حيث أنه من الثابت أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه العديد من التحديات التي لها تأثير مباشر على أداء اقتصادياتها. فعلى سبيل المثال، هناك تحد التعليم وتأثيره على رأس المال البشري الخليجي وهناك تحدي التكامل بين اقتصاديات دول المجلس ومتطلبات هذا التكامل. وتم التركيز على العوائق ذات الطابع التنموي والتي تتطلب الفهم والتعامل معها بهدف تكملة مسيرة التكامل والتنمية في دول مجلس التعاون.
وفي شهر يناير من سنة 2012 عقد المؤتمر الخامس للجمعية تحت عنوان التحولات الديموغرافية وسوق العمل الخليجي وخرج بتوصيات هامة جدا ، حيث خلص المؤتمر إلى أن مشكلة الباحثين عن عمل ستظل التحدي الأكبر الذي تواجهه دول المنطقة ، وأن الدول بحاجة إلى وضع مسار جديد للتنمية الشاملة المستدامة والمنصفة ومراجعة السياسات التنموية كما أكد المؤتمر على أن مواجهة تحديات سوق العمل الخليجي وضبط الاختلالات الديموغرافية تتطلب فهما عميقا لمضمون التنمية الشاملة المستدامة ومن ثم وضع الأهداف والوسائل المتناغمة لتحقيقها بإعتبارها ” عملية مجتمعية واعية ودائمة موجًّهة وفق إرادة وطنية مستقلًّة من أجل إيجاد تحوُّلات هيكلية وإحداث تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية تسمح بتحقيق تصاعد مطًّرد لقدرات المجتمع وتحسين مستمر لنوعية الحياة فيه” و التأكيد على ان إيجاد فرص عمل حقيقية تلبي طموح أبناء المنطقة يتطلب التخطيط السليم وتجنب تناقض الأهداف والسياسات والتركيز على الاستثمار في المجالات التي من شأنها تطوير المعرفة ورفع الكفاءة الإنتاجية لدى المواطنين بدلا من المشاريع التي تفاقم الخلل السكاني ولا تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية حقيقية ، والسعى بالتعاون مع قطاعات المجتمع المختلفة على تحقيق العدالة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتحقيق المكونات الأساسية الثلاثة للتنمية كما ذكرتها تقارير التنمية البشرية الدولية وهي : تحقيق الرفاهة و تحقيق التمكين والقدرة على التغيير. ويمكن العودة الى تفاصيل المؤتمر وتوصياته في موقعنا على الشبكة.
اضافة الى المؤتمرات لعبت الجمعية دور هام في تأسيس الجمعية الاقتصادية الخليجية ، كما قامت بتنظيم العديد من المحاضرات والندوات و الحلقات النقاشية والمشاركة في مؤتمرات خارجية و لا يسعنا ذكر تلك الانشطة بالتفصيل هنا لكن يمكن الرجوع اليها في موقعنا على الشبكة و من خلال تقارير الجمعية السنوية . كما كان للجمعية نشاط اعلامي بارز حيث تم نشر العديد من البحوث واجرت الكثير من المقابلات في الصحافة المحلية غطت مختلف احداث الساعة.
مؤشر ثقة أصحاب الأعمال
بجانب ذلك صممت الجمعية الاقتصادية العمانية مؤشر ثقة أصحاب الأعمال لقياس تصورات رجال الاعمال في عمان للبيئة الاقتصادية على أمل أن تمثل نتائجه جسرا يمكن من خلاله تلمس مواضع القوى لتثبيتها وتعزيزها ، والمواضع السلبية لتطويرها وتحسينها ، شمل الاستبيان توقعات أصحاب الأعمال للأوضاع الاقتصادية العامة وأرباح الشركات في عُمان خلال سنة من الأن ووجهة نظرهم حول توفر المعلومات وشفافية تعامل الأجهزة الحكومية وكذلك تصوراتهم حول كفاءة الإجراءاتَ القضائيةَ والإجراءات الإدارية الخاصة بالقوى العاملة والجوازات والاقامة والبلديات والبيئة والإجراءات الادارية الحكومية بشكل عام وتقييمهم لمستوى كفاءة الموظفين في القطاع العام و جودة مخرجات التعليم ، كما تطرق لموضوع الوساطات في قراراتِ المسؤولين الحكوميين و مدى حجم البيروقراطية واختتم الاستبيان تقييم أصحاب الأعمال لمدى توفر المصادر المالية لتمويل المشاريع وتقييمهم للبيئة العامة للإستثمار في السلطنة و تأثير اتفاقيات التجارة الدولية بين السلطنة وبقية دول العالم عليهم وهل تخلق فرص عمل جيدة أو تشكل تهديدا كبيرا على أعمالهم.
النمذجة الاقتصادية
كما شكلت الجمعية فريق عمل لدراسة بناء “Input-Output Tables for Oman” نموذج اقتصادي للمدخلات والمخرجات الاقتصادية وتم عقد العديد من الاجتماعات خلال سنة 2010 و 2011م توجت تلك الجهود بعقد ورشة عمل بتنظيم وتحت رعاية وزارة الاقتصاد الوطني في شهر ديسمبر 2011م حيث تبنت الوزارة مشكورة المشروع المتوقع ان يستكمل عمله قبل نهاية سنة 2014م وبحيث يمكن الاستفادة منه لاعداد الخطة الخمسية القادمة .
- ماذا عن مشاريع الجمعية المستقبلية ؟
مجلس الادارة الحالي انتهت مدته وسيتم عقد اجتماع الجمعية العامة لانتخاب مجلس ادارة جديد في شهر مارس 2012 مدته سنتين لمواصلة المسيرة ان شاء الله ، وهنالك العديد من المقترحات التي سيكون بوسع المجلس الجديد دراستها واستكمالها وتحديد ما سيراه مناسب منها ومن بينها المؤتمر السادس للجمعية حيث توجد عدة تصورات من ضمنها مؤتمر بعنوان اتفاقيات التجارة الحرة ومدى مساهمتها في التنمية المستدامة ومؤتمر اقتصاديات صناعة الترجمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث يتم وضع الأهداف والمحاور المقترحة للمؤتمر وسيتم إخضاعها للمزيد من الدراسة وعلى أن يعاد عرضها على المجلس الجديد لإقرار ما يراه مناسبا ، كما يتم الاعداد للمؤتمر الخليجي الاول لحوكمة الشركات العامة والمتوقع عقده بالتعاون مه جمعيات الشفافية الخليجية ، كما تدرس الجمعية اقامة العديد من المحاضرات والندوات في مواضيع الساعة ذات الاهتمام العام ، وقد تم استعراض العناوين التالية كإطار أولي لعمل الجمعية خلال سنة 2012م على ان يتم الاعلان عن مواعيدها بعد استكمال الجوانب التنسيقية لانجاح الفعاليات :-
- جودة التعليم والتدريب في تعزيز المنافسة
- الشباب وفرص التعليم والتوظيف
- التعمين وسوق العمل
- إستشراق مستقبل التنمية بالسلطنة في ظل الفرص والتحديات الراهنة
- مؤشر قياس تكلفة المعيشة والتضخم في السلطنة
- البديل لخطط التنمية في التنويع الاقتصادي بالسلطنة ؟
- مستجدات الاوضاع في المنطفة العربية وتأثيراتها على التنمية
- الاستبيان الثاني لمؤشر ثقة اصحاب الأعمال في عمان
- المصارف الاسلامية بين الواقع والتطلعات
- التشريعات ودورها في تشجيع التنافس والتجارة العادلة ومنع الاحتكار
- بدائل السياسات النقدية مع ارتباط الريال بالدولار
- لقد كان عنوان مؤتمركم الاخير التحولات الديموغرافية وسوق العمل الخليجي ما هي رؤيتكم لمخاطر الوضع الراهن للتركيبة السكانية في دول الخليج العربية على “الهوية العربية” ؟؟
تتباين الاحصائيات حول الوضع القائم حيث يعتقد انه يوجد في دول الخليج، ما بين 70 إلى 180 جنسية في كل دولة من دوله ، تتحدث بعشرات اللغات المختلفة، ولدى جالياتها مدارسها الخاصة وكنائسها ومعابدها وأعيادها ، وفي الوقت نفسه لا يوجد أي تفاعل يذكر بينها وبين المواطنين ، كما تفوق نسبة الأجانب في بعض دول الخليج نسبة المواطنين وعندما يصبح المواطن أقلية في وطنه، فإن ذلك يعني هيمنة الثقافات والعادات المستوطنة على الثقافة الاسلامية والعادات والتقاليد العربية.
ولمقاربة الوضع مع الدول الاخرى يمكننا ان نورد المثال البريطاني حيث تم منذ بضع سنوات اعداد دراسة حول التغييرات الديموغرافية المحتملة في بريطانيا ، وتم عرضها على رئيس الوزراء البريطاني ، وقد توصلت تلك الدراسة إلى أن سكان المملكة المتحدة سيبلغ تعدادهم سنة 2030 حوالي 70 مليون نسمة وان 10 في المائة منهم سيكونوا من الأجانب ، وبعد قرأة الدراسة أرسل مكتب رئيس الوزراء رسائل الى وزراء الحكومة البريطانية تطلب منهم الاستعداد لزيادة السكان وبالذات لزيادة نسبة الأجانب وتحديد كيف ستتعامل وزارة الداخلية والوزارات الخدميّة مع التركيبة السكانية الجديدة لبريطانيا و كذلك تحديد ما هي الآثار السلبيّة والإيجابية والأخطار التي قد تهدد الهويّة البريطانية وما هي الضغوط المتوقعة على الخدمات المقدمة للمواطنين.
بالرغم من كون نسب العمالة الوافدة في الدول الاوروبية الكبرى التي لديها جاليات اجنبية تعتبرها كبيرة مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا هي في حدود 10 في المائة فقط ، الا اننا نلاحظ قلق تلك الدول والمناقشات المحتدمة في البرلمانات وخارجها حول كيفية التعامل مع الاخطار التي ستنجم عنها. لقد كان إجمالي العمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون سنة 2005 إثني عشر مليون نسمة وبعد أربع سنوات قفز إلى 16 مليون. ونجد ان هنالك علاقة طردية بين اسعار النفط والعمالة الوافدة فكلما زادت اسعار النفط زادت العمالة الوافدة ، وفي بعض الدول الخليجية رغم ان العمالة الوافدة اصبحت اليوم اغلبية مطلقة وبدأت بعض دول المنطقة تفقد هويتها الوطنية والقومية حيث تصل نسب تلك العمالة 90% من اجمالي السكان ان لم يكن اكثر إلا اننا لا نعرف ما هي سياسات دولنا وكيف سيتم معالجة الوضع ، والادهى ان دول العالم تضع لنا المخططات وتعقد المؤتمرات والندوات وتضع لنا الخطط وتحدد مواقفها الاستراتيجية في منطقتنا خلال العقود القادمة، ونحن نقف في صف المتفرجين ومواقفنا لا تتعدى ردود افعال والاهتمام بالإستثمارات الاجنبية التي لن تخدم شعوبنا في نهاية المطاف ، بل وفوق ذلك كله تدرس بعض دولنا الاستثمار في إنشاء صناديق تقاعد خاصة بالوافدين وربما يعقبها منح اقامات دائمة بعد التقاعد.
- خلال مؤتمر الجمعية الاخير تم انتقاد العمالة الوافدة باعتبارها كارثة حلت ببلاد الخليج بالرغم من دورها في النهضة العمرانية للمنطقة . فكيف تفسرون هذا التناقض؟؟
نحن لا ننتقد العمالة الوافدة فهولاء بشر دخلوا الى بلادنا بطرق مشروعة ولهم حقوق تكفلها لهم القوانين المحلية قبل الدولية و قد ساهموا في بناء دولنا ولا يوجد احد منا من لم يستفيد من خدماتهم فهم الذين يساهمون في بناء مساكننا التي نأوي اليها والطرق التي نستخدمها وعملوا معنا جنبا الى جنب في القطاع الحكومي او الخاص ويقدمون لنا الخدمات التي تكفل لنا العيش الرغيد في منازلنا فشكرهم واجب علينا ونحن من سندفع ثمن رحيلهم إذا تمت بطرق غير منظمة بدءأ من الركود الاقتصادي إلى الآثار التضخمية ، ودورهم لا ينحصر على الفترة الماضية بل يمتد للفترة الحالية والمستقبلية ولهم منا كل الشكر والتقدير والاحترام.
الانتقاد موجه الى اسلوب استثمار ثروات المنطقة حيث ان الطموحات الكبيرة للبرامج الاستثمارية في الخطط التنموية وطبيعة معظم المشاريع الواردة فيها تؤدي إلى زيادة الاعتماد بصورة أساسية على العمالة الوافدة من جهة وزيادة الباحثين عن عمل من المواطنين من جهة اخرى بسبب عدم انسجام تلك المشاريع مع الإمكانيات البشرية الوطنية من حيث الكم والنوع ، لقد ذكرنا في المؤتمر انه تم خلال العقد الماضي توفير حوالي 7 ملايين وظيفة جديدة قي دول مجلس التعاون أكثر من 70% منها ذهبت للوافدين، جزء كبير منها في قطاع البناء وفي وظائف منخفضة الأجر و لا تتطلب مهارات عالية وجزء أخر إلى المتخصصين من ذوي المستويات التعليمية العالية بسبب نقص المهارات الوطنية المطلوبة لشغل تلك الوظائف ، و في الوقت نفسه من المتوقع أن توفر دول الخليج 6 ملايين وظيفة جديدة مع 2015 أكثر من ثلثيها سيذهب للوافدين، بينما من المتوقع أن يصل إلى سن العمل حوالي 4,5 مليون مواطن ، و أن تبلغ البطالة بين مواطني دول المجلس 3 ملايين في نفس الفترة.
والموضوع كذلك مرتبط بنمط التنمية التي يجب أن تنطلق من الاتفاق على مفهوم التنمية الشاملة المستدامة والتي أكد المؤتمر الأخير للجمعية على تعريفها بأنها “عملية مجتمعية واعية ودائمة موجًّهة وفق إرادة وطنية مستقلًّة من أجل إيجاد تحوُّلات هيكلية وإحداث تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية تسمح بتحقيق تصاعد مطًّرد لقدرات المجتمع وتحسين مستمر لنوعية الحياة فيه” ، ويكون محورها الأساس المواطن وحاجة الوطن بدلا من المشاريع التي لا تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية حقيقية ، وتسعى بالتعاون مع قطاعات المجتمع المختلفة على تحقيق العدالة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتحقيق المكونات الأساسية الثلاثة للتنمية كما ذكرتها تقارير التنمية البشرية الدولية وهي: تحقيق الرفاهة و تحقيق التمكين والقدرة على التغيير، والمقصود بالتغيير هنا تغيير الحكومات وليس الانظمة حيث يتوجب على الانظمة ان تنأى نفسها عن الحكم وان تراقب وتحاسب الحكومات وتتأكد من قيامها بواجباتها.
إننا نريد من دولنا أن نتجنب خمس أصناف من النمو الاقتصادي التي أوصى تقرير التنمية البشرية لعام 1996 بضرورة تجنبها إذا أريدا للتنمية البشرية في أية دولة التقدم والاطراد وهي:
- النمو الذي لا يتيح فرص عمل، وتزداد معه معدلات الباحثين عن عمل بكل شرورها الاجتماعية ومخاطرها السياسية.
- النمو الغير رحيم، أي الذي تعود غالبية ثماره على الأغنياء.
- النمو الأبكم، أي النمو غير المقترن بالديمقراطية أو التمكين من تحقيق حقوق المشاركة والحريات الأساسية.
- النمو المنبت الجذور، أي الذي يطمس الهويات الثقافية.
- النمو الذي لا مستقبل له، حيث يبدد الجيل الحالي الموارد التي تحتاج إليها الأجيال التالية.
وبالتالي يجب أن تكون الامور متوازنة فتوفير فرص العمل الكريمة للمواطنين حق ، ولا أقول لا ينكره احد بل أقول انه لم يمنح ما يستحقه من الاهتمام في المرحلة السابقة بسبب انماط التنمية
- ولكن مع هذا نجد ان دول المنطقة تستثمر في المشروعات العقارية والسياحية بما لايتناسب مع تعداد سكانها ،ما يعني الحاجة المستمرة لاستقدام المزيد من العمالة الوافدة، بل أحيانا لمن يستفيد من هذه المشروعات الخدمية المتزايدة…فكيف تتصورون امكانية كسر هذه الحلقة المفرغة؟!
لقد بدأنا الخطوة الاولى بالتحذير الذي صدر عن المؤتمر من خطورة المشاريع العقارية التي لا تخدم المواطنين وأوصى بوقف أية مشاريع عقارية موجهة إلى المشتري الأجنبي ، حيث يجب الاعتراف بخطورة تفشي ظاهرة المشاريع العقارية في دول المنطقة وانعكاساتها على المجتمع والتركيبة السكانية وذلك يتطلب إلغاء القوانين التي تربط المشاريع العقارية بالإقامات للمشتري الأجنبي ، وتم استعراض ورقة عمل حول هذا الموضوع نشرت لأول مرة وهذا جزء من العملية التوعوية والتنبيه بخطورة تلك المشاريع ولا اتوقع حلا سريعا له حيث ان هنالك الكثيرين من اصحاب النفوذ المستفيدين من مثل تلك المشاريع المرتبطة بالأراضي ، خاصة أن هذا القطاع من أكثر القطاعات التي تتسم بالفساد وفي اعلى المستويات.
- هل ان ذلك يعني انكم ترون ان هنالك مخاطر المستقبلية لظاهرة “الاقامات طويلة المدى” للاجانب الذين يشترون عقارا في بعض دول الخليج ، ومن بينها السلطنة؟
في السلطنة لدينا بعض المشاريع العقارية ولدينا طابعنا المعماري المميز الذي منح مسقط جمال وتناسق في الالوان وكثير منا لا يشعر به الا عندما يسافر الى الخارج والحق يقال ان الفضل في هذا يعود الى السطان قابوس وحسه المرهف وتدخله الشخصي في الكثير من التفاصيل المتعلقة بالامور العمرانية، ولسنا بحاجة الى اثبات أنه ليس لدينا تطاول كبير في البنيان.
لقد تم تقديم بحث في مؤتمر الجمعية عن المشاريع العقارية الدولية وتفاقم الخلل السكاني في دول مجلس التعاون ، واركز هنا على كلمة الدولية حيث انني اتحدث عن المشاريع الاستثمارية التي تستهدف غير المواطنين ولا اتحدث عن المشاريع التي تستهدف المواطنين ، حيث اتضح من الدراسة انه مع بداية الألفية الثالثة غرست بذور نوع جديد من الخلل السكاني، المبني على استقطاب الاجانب للشراء في مشاريع عقارية ضخمة ويعتبر هذا تغير نوعي في الخلل السكاني. حيث تغيرت الرؤية الى الوافدين من عنصر إنتاجي يتطلب تنظيمه وتقنينه، إلى مصدر طلب على الدول اجتذابه وتصميم سياساتها ورؤاها حوله، واصبح مصدر قوة شرائية واستهلاكية يتطلب استقطابها للاستقرار في المنطقة ولم تعد النظرة اليه على أنه خللا سكانيا، بل فرصة استثمارية اقتصادية ، ولقد بدأت العملية بسن قوانين سمحت للمشترين الدوليين بشراء العقار في دول مجلس التعاون في البحرين عام 2001 ، دبي عام 2002 ، قطر عام 2004 ، رأس الخيمة عام 200 ، عمان وأم القيوين عام 2006 ، عجمان عام 2008 ، ابوظبي و السعودية عام 2010.
و تم ربط شراء العقار بالحصول على اقامات طويلة المدى للمشتري وعائلته في كل من البحرين والإمارات و قطر و عمان حيث يخطط في هذه الدول بناء 1.3 مليون وحدة سكنية دولية باستطاعتها استيعاب 4.3 مليون قاطن، اي ما يفوق عدد المواطنين في الدول الأربعة مجتمعة حيث بلغت اجمالي قيمة المشاريع المعلنة في اوج الطفرة في عام 2007م 2.1 تريليون دولار، 57% منها في القطاع العقاري واشارت الدراسة الى ان تلك المشاريع تتطلب طاقات وسياسات توجه نحو المستوطنين الجدد تتمثل في زيادة الصرف على البنية التحتية لمشاريع الطاقة 134 بليون و المياه 40 بليون دولار بعام 2013، حيث يتوقع ان يزيد الطلب على الكهرباء 10% سنويا و المياه 8% سنويا ، والمثير أن الرؤى التنموية (رؤية البحرين 2030، ابوظبي 2030، دبي 2015، قطر 2030) اعدتها شركات استشارية أجنبية و انصبت في اتجاه زيادة الاستثمار الدولي واعداد الوافدين والمشاريع العقارية والاستثمارية
وأوردت الدراسة مثال سنغافورة وفيجي كامثلة لعبت فيها التركيبة السكانية دورا محوريا في تحديد مستقبلها ، سنغافورة مثلا كانت مستعمرة بريطانية صغيرة، سكانها من المالاي شهدت طفرة اقتصادية مع الاستعمار، أدت إلى استقطاب وافدين من الصين و تشكل الاثنية الصينية اليوم 75% بالمئة من السكان، وهم المتحكمون اقتصاديا وسياسيا والسكان الأصليين من المالاي لا يتعدون 14% ، أما فيجي فكانت مستعمرة بريطانية صغيرة منذ 1874م وشهدت طفرة اقتصادية من قصب السكر، أدت إلى استقطاب وافدين من الهند وتشكل اليوم الاثنية الهندية الغالبية في البلاد، اللغة الأولى الانجليزية وتشاهد حروب أهلية وتوترات أثنية
كما قارن البحث بين الخلل السكاني التقليدي والخلل المبني على المشاريع العقارية الدولية في منطقة الخليج وتوصل الى ان الخلل السكاني التقليدي تمحور حول ازدياد أعداد ونسبة الوافدين في سوق العمل، وتهميش دور المواطنين إنتاجيا وعماليا وعدديا و تشوه الهوية العربية في المنطقة، وتواصل حالات الاضطهاد التي يتعرض إليها الكثير من العمالة الوافدة وتدنى حقوقهم على المستوى الاقتصادي والسياسي والاحساس الشديد بحالة الاغتراب التي يعيشها المواطنين والوافدين معا، اضافة الى تطور مجتمع “بلا هوية” متعدد الإثنيات، يكون القاسم المشترك بينه فقط هو التركيز على النمو في الناتج المحلي والاستهلاك واللغة الإنجليزية.
بينما يتمحور الخلل السكاني المبني على المشاريع العقارية الدولية في بروز ظاهرة المجتمعات المغلقة على غرار ال “كانتونات ” في مدن متحولة تفتقر إلى أية هوية محددة مع زيادة نفوذ الوافدين نظرا لتملكهم العقار وانحدارهم من الطبقة المقتدرة ماديا في دول لها حضورها عالميا. وهذه الفئة هي فئة مستهلكة في المقام الأول، وبذلك يتعدى نفوذها نفوذ الأيدي العاملة الوطنية التي تفتقد النفوذ السياسي والاقتصادي ، وقد تم منح الأجانب المتملكين حق التصويت في الانتخابات البلدية في بعض دول الخليج ، كما توجد مطالبات بأن يكون للمقيمين الأجانب تمثيل في مجالس الشورى والمجالس البلدية بعد دخولهم لمجالس غرف التجارة والصناعة في دول خليجية اخرى.
- سؤال اخير في هذه الحالة ما هي رؤيتكم لمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقدين القادمين..وهل نتوقع تغيرات “دراماتيكية” في التركيبة السكانية – وربما السياسية – سواء كانت بالاتجاه الايجابي أو السلبي؟؟
الوضع يختلف في عمان والسعودية والبحرين نوعا ما عن الامارات وقطر والكويت ، وان ما سيحدث غدا رهين بما سنعمله اليوم ، ولكنني اخشي انه ما لم نتدارك الوضع الأن فإنه بعد عقدين من الزمن سيكون الكثير من سكان المنطقة الوافدين حاليا من مواليد دول المنطقة وبعضهم سيكون من مواليد دول المنطقة عن اب و جد، وسيكون من حقهم اكتساب الحقوق السياسية وليس فقط جنسيات الدول التي يعيشون فيها وفق ما تنص عليه الاتفاقية رقم 97 لسنة 1949 المختصة بحقوق العمالة المهاجرة في دول العالم والتي وقعت عليها معظم دول الخليج، وكذلك “الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم” التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1990 ، صحيح أن دول الخليج لم توقع على الاتفاقية الثانية بعد ، إلا انه من المؤكد أنها مع الوقت ستتعرض لضغوط دولية للتوقيع والمصادقة عليها.
واخشى أن تنشأ كانتونات جديدة في منطقة الخليج ( 2 أو 3 ) ستكون مستقلة ويرأسها أفراد منتخبين من أبناء الوافدين للمنطقة اللذين لا يجيدون اللغة العربية ولا علاقة لهم بثقافة المنطقة، وستكون تلك الكانتونات مدعومة من دول عظمى نعتبرها صديقة وتحميها أساطيل أجنبية ، التاريخ يقول لنا أن الأندلس ضاعت بسبب حروب الطوائف ، وأخشى أن يذكرنا التاريخ بأننا الجيل الذي اضاع جزء من وطنه مقابل أطماعنا المادية وامتيازات تتمثل في الابراج والاستثمارات الاجنبية والوكالات التجارية للماركات العالمية ، للأسف الشواهد كثيرة وهي ظاهرة للعيان ونحن نقف موقف المتفرجين .

