مداخلة الحلقة النقاشية حول أفاق الخطة الخمسية الثامنة  التي عقدت في مجلس الشورى –  يناير 2011

مداخلة الحلقة النقاشية التي عقدت في مجلس الشورى –  يناير 2011

حول أفاق الخطة الخمسية الثامنة

  • إلى أي مدى ترون أن الخطة تترجم المرتكزات والأهداف والسياسات الرئيسية للرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان 2020) علما بأنها الخطة قبل الأخيرة في سلسلة الخطط التنموية المعدة في إطار هذه الرؤية .

من حيث الشكل لا اعتقد ان المرتكزات والأهداف والسياسات الرئيسية للرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان 2020) تمثل محور التخطيط في السلطنة حيث انه لم يتم التلميح لتلك الرؤية  إلا في ديباجة مرسوم الخطة الخمسية السادسة حيث وردت عبارة  ” وحرصا على ارساء الدعائم الاساسية لاستدامة التنمية من خلال مواصلة العمل التنموي في اطار الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني، عمان 2020″. بينما استبدلت تلك العبارة في الخطة السابعة والثامنة بعبارة “وحرصا على ارساء الدعائم الاساسية لاستدامة التنمية من خلال مواصلة العمل التنموي في اطار إستراتيجية التنمية طويلة المدى (1996- 2020) .

وحتى في المصدر الوحيد لتلك الرؤية ( المرسوم 1/96 ) باعتماد الخطة الخمسية الخامسة فأنه قد تم الاشارة اليها ضمنيا فقط حيث ورد في  ديباجة المرسوم عبارة   “وحرصا على بدء المرحلة الجديدة من العمل التنموي في اطار رؤية مستقبلية واضحة ومحددة المعالم” و تم اعتماده بموجب المادة (1) من المرسوم تحت مسمى  المحاور الاساسية للاقتصاد العماني والموضحة في الملحق رقم (1) المرفق. علما ان تلك المحاور يشار اليها في موقع وزارة الاقتصاد الوطني على أنها إستراتيجية التنمية طويلة المدى.

 ولم ترد أية اشارة في ذلك المرسوم او في غيره من المراسيم الى اعتماد الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني : عمان 2020 و لا الى آليات تقييمها او نشر تفاصيلها او أية تقارير متعلقة بها وكل ما نعرفه عن تلك الرؤية ما يرد بشأنها في تصريحات اعلامية من وقت الى اخر.

من حيث المضمون ووفق ما هو معتمد في الملحق 1 من المرسوم 1/96 فقد نص على أن التوجه التنموي للحكومة يهدف في المقام الأول إلى:-

  • ضمان استقرار دخل الفرد عند مستوى سنة 1995م  كحد أدنى والسعي إلى مضاعفته بالقيمة الحقيقية بحلول عام 2020 ( الارقام الفعلية يمكن ان تحدد ذلك)
  • وذلك بجعل الخطة الخمسية الخامسة (1996-2000) مرحلة انتقالية تعمل فيها الحكومة على تحقيق التوازن بين الايرادات والاستخدامات وصولا الى موازنة الايرادات والانفاق في نهاية الخطة  (لم يتحقق في اية سنة من سنوات الخطة)
  • وكذلك تهيئة الظروف اللازمة للإنطلاق الاقتصادي حيث ستعمل على استخدام عائدات النفط والغاز لتحقيق التنويع الاقتصادي المستمر والمتجدد وتتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه تقديم الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية وتطويرها . (وفق دراسة للجمعية الاقتصادية لم تتحقق)
  • وكذلك تدريب المواطنين العمانيين وتنمية مهارتهم. (لم تتحقق – نقص كبير في سوق العمل)
  • إضافة إلى انتهاج سياسات تهدف ألي تعزيز المستوي المعيشي للمواطن العماني. (وفق دراسة للجمعية الاقتصادية لم تتحقق)
  • إلى أي مدى يمكن اعتبار الخطة قد تصدت (من خلال أهدافها وسياساتها ومشروعاتها) للتحديات الرئيسية التي تواجه المجتمع وتعيق مسيرة التنمية في المرحلة الحالية والمديين القريب والمتوسط ، وفي مقدمتها :
    • الزيادة المستمرة وبمعدلات عالية في أعداد الباحثين عن عمل (ارتفاع معدل الباحثين عن عمل) ، وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية .. الخ .
    • معدل التقدم في مسيرة تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني .
    • محدودية فرص التعليم العالي وما ترتب عليها من تدني معدلات الالتحاق بالتعليم العالي .
    • التفاوت في الدخول وارتفاع نسبة ذوي الدخول المتدنية .
    • تفاقم ظاهرة الهجرة من المناطق إلى محافظة مسقط وبعض المدن الكبرى ، وما يترتب عليها من مشاكل اجتماعية واقتصادية .

اعتقد ان كل محور من المحاور اعلاه بحاجة الى جلسة مستقلة لمناقشته ، لذلك فإنني سأحاول التطرق اليه من خلال منظور تنموي شامل ، يجب هنا ان نمييز بين النمو الإقتصادي والتنمية الحقيقية الذاتية والمستدامة وبناء إقتصاد ناضج يعتمد على الإنتاجية والتنافسية وعلى الإمكانيات البشرية الذاتية  ، مما لا شك فيه ان الخطة سوف تحقق نموا اقتصاديا ولكنها لن تتمكن من تحقق تنمية  مستدامة دون  رفع معدلاتها في المؤشرات المتعارف عليها دولياً مثل:-

  1. تحقيق دخل اكبر لأفراد المجمتع
  2. زيادة فرص التعليم والتأهيل
  3. توقعات الحياة نتيجة الصحة والتغذية
  4. أجواء الحرية السياسية وحماية حقوق الانسان
  5. المساواة في الفرص المتاحة لجميع افراد المجتمع
  6. التمكين من المشاركة في عمليات التنمية والاستفادة منها
  7. تهيئة بيئة نظيفة.

وتحقيق تنمية مستدامة يتطلب وجود استراتيجية سكانية وطنية لتحقيق الاهداف المنشودة ، بالنظر الى ما نشر حول اهداف ووسائل الخطة فإنه لا توجد مؤشرات قوية الى  وجود برامج جدية تمكننا من الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي واقتصاد المعرفة القادر على الاستقلالية والتنافس والنديُّة والتفاعل مع عالم معرفي عولمي جديد ، فاقتصاد المعرفة ليس مجرد شعارات بل يتطلب استراتيجية واضحة تحقق إنتاجاً مستمراً ومتنامياً للمعرفة و يتطلب تكويناً وتنظيماً لإنتاج المعرفة من جهة وإبداعاً في توفير وخلق تكنولوجيات يتم تداولها من قبل أوسع مجموعة من المواطنين.

في الوقت ذاته فإن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم في غياب سوق عمل وسوق رأس المال ناضج وقوي ، حيث انه  من المتعارف عليه ان قطاع سوق العمل و قطاع البنوك من  القطاعات الاساسية للإقتصاد الوطني والتي تلعب دور محوري في التنمية بإعتبارهما من أهم عوامل الإنتاج التي يقوم عليها الإقتصاد.

ومن القرأة السريعة للبرامج الاستثمارية في الخطة الثامنة نجد فجوة كبيرة بين متطلبات تنفيذ المشاريع الواردة فيها والإمكانيات البشرية للسلطنة، فمعظم المشاريع التي سيتم تنفيذها خلال الخطة الخمسية القادمة من مشاريع المقاولات والانشاءات ، وستؤدي محدودية الإمكانيات البشرية الوطنية من حيث الكم والنوع إلى زيادة الاعتماد بصورة أساسية على العمالة المستوردة من جهة وزيادة الباحثين عن عمل من العمانيين في الوقت ذاته بشكل عام وفي قطاع المقاولات والانشاءات بشكل خاص بسبب صعوبة العمل من جهة وتدني الاجور من جهة أخرى ، إلا اذا كان ذلك الزاميا بموجب القانون وذلك سيسبب خلالا في التنافسية وكفاءة الاداء، وينتج عنه اضافة الى ذلك تعيين العمال في وظائف بأجور متدنية وسيكون لذلك انعكاسات سلبية على المؤشرات العامة للتنمية بسبب زيادة نسب العمالة المتدنية الاجور.

وفي الوقت نفسه ستكون فرص التشغيل في الوظائف الفنية محدودة ، حيث يعاني القطاع الخاص حاليا من غياب العمالة الوطنية المؤهلة والمدربة لأن العملية التدريبية في السلطنة ما زالت تخضع وللأسف ومنذ عشرين سنة للكثير من التجارب والتقلبات لم تكن دائما نحو الأفضل ولم يحالفها الحظ الاستقرار حتى الآن بالرغم من وجود استراتيجية للتنمية البشرية والسبب الرئيس لذلك هو غياب التخطيط السليم على المستوى الجزئي(Micro Economics)   وعدم كفاءة الاجهزة القائمة على التدريب واجتهاداتها غير الموفقة التي تفتقد الاستمرارية وتتقلب  بما ينسجم مع  الرؤى القاصرة للقائمين عليها في مراحلها المختلفة ، فمن الناحية الاجرائية نجد انه بالرغم من توقف العمل في برامج التأهيل على المؤهلات المهنية الوطنية بموجب  اجراءات ادارية منذ سنة 2001 حيث تم تجميدها بدون صدور قرار رسمي بذلك فإنه لم تصدر أية لائحة بديلة لها ولقد نجم عن ذلك الكثير من المشاكل خاصة من الناحية التنظيمية والإجرائية ويتحمل مسؤولية ذلك الوزارة المعنية وغياب الرقابة على السياسات وعدم وجود جهاز للرقابة الادارية في الدولة.

اما من الناحية المالية نجد ان الدولة خصصت بندا مستقلا  لتنمية الموارد البشرية خلال الخطة  الخمسية السادسة بمبلغ 207 مليون ريال عماني اي بمعدل يزيد عن 40 مليون ريال عماني سنويا وفي الخطة الثامنة نجد تراجعا كبيرا في ذلك ، ففي الوقت الذي تحصل فيه الحكومة اكثر من 110 مليون ريال في السنة كمساهمات من القطاع الخاص اقرت اساسا للتدريب المهني وتعدل مسماها الى رسوم استقدام عمالة وافدة حيث تم اعتماد حوالي 27 مليون ريال فقط  لمشاريع التدريب الوطنية اي بواقع حوالي 5 مليون ، وهذه المبالغ تكفي لتأهيل ما بين 1600 و 2000 متدرب في السنة أي اقل من 3 % من الاعداد المفترضة كفرص عمل متوقع ان توفرها الخطة ، بينما الامر يتطلب ان يشمل ما لا يقل عن 50% من العمالة الوطنية الجديدة لضمان اكتسابهم حرفة وفرص عمل افضل ولضمان خروجهم من دائرة مستوى الحد الادنى من الاجور.

لقد اعتمدت الندوة الثالثة لتشغيل القوى العاملة الوطنية الكثير من القرارات للمساهمة في رفع نسب التعمين في القطاع الخاص ومن بين تلك القرارات إعداد خطة خمسية للتدريب في مؤسسات وشركات القطاع الخاص بهدف تأهيل وتشغيل العمانيين حتى تتمشى مع الخطة الخمسية القادمة للحكومة لتنمية وتطوير الموارد البشرية ، ولم يتم تنفيذ ما يتعلق بتلك القرارات إلا زيادات النسب السنوية من التعمين وهنالك مشكلة كبيرة وستزداد مع سنوات الخطة السابقة للتوفيق بين العرض والطلب في القوى العاملة الوطنية ولمعالجة هذه الفجوة يجب انشاء صندوق لتمويل برامج التدريب والتأهيل لخطط التعمين المعتمدة من لجان التعمين القطاعية ويؤول اليه جميع رسوم استقدام العمالة الوافدة ، واعتقد ان هذا مطلب أمني قبل ان يكون اقتصادي.

أما فيما يتعلق بالمحور الاخر وعلى صعيد القطاع المصرفي الذي يعتبر من أهم القطاعات الإقتصادية لما له من دور محورى في الدورة الإقتصادية  فانني سأكتفي هنا بالإشارة الى تصنيف البنك الدولي، حول سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في الدول والذي  يعني بقياس  سهولة البدء في العمل ومزاولة النشاط نجد ان السلطنة تراجعت من الترتيب 125 الى 128 في سنة 2011م من بين 183 دولة في مجال الحصول على ائتمان ونحن بحاجة الى آليات  جادة لمعالجة هذا الموضوع في الخطة.

الإطار المالي للخطة من حيث تقديرات الإيرادات العامة (النفطية منها على وجه الخصوص) والمبنية على افتراض سعر يبلغ متوسطه (59) للبرميل ، ومن حيث الإنفاق العام وتطوراته وتنامي العجز المالي الذي يقدر متوسطه السنوي بنحو (1043) مليون ريال عماني ؟

وفق جداول التوزيع الاولي للاستثمارات المستمرة والجديدة بالخطة الخمسية الثامنة نجد ان الاعتمادات المستمرة المتوقع ترحيلها من الخطة الخمسية السابعة حوالي 6.4 مليار ريال بينما صافي المصروفات الاستثمارية المعتمدة في الخطة السابقة كانت حوالي 5.4 مليار ريال ، في الوقت الذي تجاوز فيه المصروف الفعلي في السنوات الاربعة الاولى فقط من الخطة الخمسية السابعة المعتمد بمبلغ 6.7 مليار ريال

الزيادة في الايرادت عن المتوقع خلال السنوات الخمسة الماضية 34%

الزيادة في الانفاق عن المخطط خلال السنوات الخمسة الماضية 20%

نسبة الزيادة في المصروف الفعلي عن المعتمد خلال السنوات الخمسة الماضية حوالي 36%

الزيادة في الايرادت عن المتوقع خلال الخطة السادسة  27.5 %

الزيادة في الانفاق عن المخطط خلال الخطة السادسة  7.73%

نسبة الزيادة في المصروف الفعلي عن   المعتمد خلال الخطة السادسة حوالي 25%

عدد فرص العمل المتوقع ان توفرها الخطة 200 – 275

بنظرة سريعة الى تلك الارقام والفروقات  الكبيرة في التقديرات والنتائج الفعلية والتي تزداد فجوتها من سنة الى اخرى وفي سنوات الخطة السابعة و السادسة ، فإنني انظر الى تلك الارقام على انها مجرد قائمة اولية بالمصروفات التي سيتم اعتمادها لمختلف الوزارات والمشاريع التي ستستفيد منها خلال السنوات القادمة ولايمكنني ان انظر اليها بأنها خطة تنموية متكاملة.

أهداف خطة التنمية الخمسية الثامنة جيدة لو امكن تحقيقها  ولكن ذلك يتطلب فك الارتباط بين التخطيط والتنفيذ (المالية والاقتصاد) و وضع آليات لتحقيق الانسجام بين الوسائل والاهداف ومعالجة الخلل في الانسجام بين السياسات المخطط لها والتنفيذ الذي يخضع في كثير من الاحيان لتقلبات جذرية بمجرد تغيير في هرم الوزارة بسبب عدم وجود ضوابط لضمان العمل المؤسسي على مستوى الوزارات بما ينسجم مع الاهداف العامة .

الغاء مجلس التنمية في سنة 1996م والنظام الاداري للدولة الذي يعتبر مسؤولية الوزارات مسؤولية فردية وليس جماعية ، اوجد فراغا في آلية العمل الحكومي فوزارة الاقتصاد قد تحدد السياسات العامة والاستراتيجيات ولكن يترك للوزارت تنفيذ تلك السياسات بالطريقة التي تراها مناسبة ولا يوجد من يقييم فعالية وكفاءاة تنفيذ تلك السياسات تقييما علميا. وفق مرسوم الخطة فإن اللجنة العليا الرئيسية لخطط التنمية الخمسية هي الجهة المسؤولة عن ذلك ولكني اعتقد ان اللجنة تبقى مجرد لجنة شكلية ، امكانياتها محدودة وهيكليتها لا يسمح لها بتقييم جدي للخطة فهي سياسية اكثر من كونها فنية و لا يوجد بها أمانة فنية ولا موظفين ولا اطار قانوني ينظم عملها وينحصر عملها بشكل رئيس على استعراض ما تقرر جهات اخرى احالته اليها.

الغريب هنا أنه عندما صدر المرسوم السلطاني 7/96 بحل مجلس التنمية قد عالج هذه الاشكالية ولكن ما ورد في ذلك المرسوم لم بعمل به حتى هذا اليوم  ، واعتقد أن ذلك المرسوم ما زال ساري المفعول ولم يتم إلغاؤه حتى الآن.

Shopping Cart
Scroll to Top