حوار مع جريدة الشبيبة حول تحديد أسعار السلع في السلطنة ؟ وخاصة السلع الغذائية؟ في  27 سبتمبر 2011

حوار حول تحديد أسعار السلع في السلطنة ؟ وخاصة السلع الغذائية؟

مجلة الخزينة – جريدة الشبيبة –  في  27 سبتمبر 2011

هل هناك إمكانية لتحديد أسعار السلع في السلطنة ؟ وخاصة السلع الغذائية؟

قبل الاجابة على هذا السؤال يجب علينا ان نعرف ما هو الوضع الغذائي في العالم، وفق احد آخر تقارير للبنك الدولي فإن مؤشر البنك لأسعار الغذاء لا يزال قريباً من ذروته التي بلغها في عام 2008.  ففي نهاية الربع الاول من هذه السنة 2011، كان المؤشر لا يزال مرتفعاً بنسبة 36 في المائة عن المستوى الذي كان عليه قبل عام، على الرغم من حدوث انخفاض طفيف في الآونة الأخيرة. ومن بين المواد الغذائية الأساسية التي لا تزال أسعارها مرتفعة كثيراً عما كانت عليه في مثل ذلك الوقت من العام الماضي الذرة (74 في المائة)، والقمح (69 في المائة)، وفول الصويا (36 في المائة)، والسكر (21 في المائة)؛ إلا أن أسعار الأرز وهو الأهم  بالنسبة لنا فإنها كانت مستقرة.

ووفق التقرير فإن أسعار الغذاء العالمية لا تزال على تقلبها في أعقاب الأحداث الأخيرة في بلدان منطقة الشرق الأوسط واليابان. ففي أعقاب الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط، زادت أسعار النفط الخام بنسبة 21 في المائة في الربع الأول من عام 2011. ويذكر التقرير ان التقلب الأخير في أسعار الغذاء يأتي في سياق عدة عوامل أخرى دفعت بالأسعار إلى الارتفاع خلال العام المنصرم. وتشمل هذه العوامل: (1) سوء الأحوال المناخية في بعض أكبر البلدان المصدرة للحبوب الغذائية، مثل الاتحاد الروسي وكازاخستان وكندا واستراليا والأرجنتين، خلال النصف الثاني من عام 2010؛ (2 (الزيادة الكبيرة في كافة أسعار السلع الغذائية الأساسية في عام 2010، وهو الأمر الذي زاد من حد المنافسة على الأراضي وغيرها من المدخلات؛ و (3) الصلة ما بين ارتفاع أسعار النفط وأنواع الوقود الحيوي وجاءت هذه العوامل ظل سياق متوسط الأمد من: (أ) تفوق نمو الطلب على الغذاء على نمو الإنتاج خلال العقد المنصرم ؛ (ب) ما تلا ذلك من استنزاف المخزونات الحبوب حتى تدنت إلى مستويات تاريخية؛ (ج) تأثير تغير المناخ على تقلب الأحوال المناخية وكمية غلال المحاصيل الغذائية؛ (د) تزايد اللجوء إلى فرض قيود على تصدير الحبوب منذ قفزة أسعار الغذاء في عام 2008؛ و (ه) ارتفاع نصيب صادرات الحبوب الآتية من منطقتي البحر الأسود وأمريكا اللاتينية حيث يزيد تقلب المحاصيل عما عليه الحال لدى مصدري منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي OECD

ويشير التقرير إلى أن هذه الزيادات في أسعار الغذاء ترتبط بالزيادات في أسعار الطاقة.  فقد صعدت أسعار النفط الخام بنسبة 10.3 في المائة في مارس حتى صارت تزيد بنسبة  36 في المائة عما كانت عليه قبل عام. وهذه الزيادات في أسعار النفط تؤثر في أسعار الغذاء – فحدوث ارتفاع نسبته 10 في المائة في أسعار النفط الخام يؤدي لحدوث زيادة نسبتها 2.7 في المائة على مؤشر أسعار الغذاء 1 – وذلك من خلال قنوات متعددة  وأولها، أن حدوث ارتفاع في أسعار النفط الخام يشجع على زيادة استخدام منتجات غذائية مثل الذرة والزيوت النباتية والسكر في إنتاج الوقود الحيوي. وتتمثل القناة الثانية لانتقال التأثير في أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي لزيادة تكلفة إنتاج الغذاء من خلال ارتفاع أسعار الأسمدة، وتكلفة الري، وغيرها من المستلزمات الزراعية. ويختلف مدى تأثير أسعار الطاقة كثيراً تبعاً لنوع المحصول ومستوى الميكنة في إنتاجه. أما القناة الثالثة لانتقال تأثير أسعار الطاقة فتأتي من خلال الزيادات في تكاليف نقل المحاصيل إلى الأسواق، وهو ما يؤدي إلى حدوث اختلافات أكبر في السعر داخل البلد الواحد ويزيد التكاليف على عاتق البلدان المستوردة.

وبالتالي نجد أن أسعار السلع في السلطنة وفي غيرها من دول العالم محددة ويتم تحديدها من قبل المزودين استنادا الى العديد من العوامل اهمها تكلفتها في محطتها النهائية ففي حالة السلع المستوردة تكون مبنية على سعر الاستيراد اضافة الى تكلفة الشحن والتأمين وهامش ربح تاجر الجملة ومن ثم تاجر التجزئة بعد الأخذ في الاعتبار التكاليف الاخرى مثل الاجور والايجارات وكافة التكاليف الاخرى التي يتكلفها التاجر، وكذلك بالنسبة للمنتجات المصنعة او المنتجة الحالية فإن بائع التجزئة يأخذ في الاعتبار جميع هذه التكاليف ويضيفها الى تكلفة السلعة ليحدد سعر البيع .

اذا كان المقصود من السؤال  هل بإمكان الحكومة تحديد سعر البيع النهائي للسلع في السلطنة فالجواب لا ، إلا إذا كانت الحكومة هي التي ستتكفل بعملية الانتاج والبيع أو الإستيراد ولعب دور تاجر الجملة وتقوم بتزويد تجار التجزئة بالسلع وتحديد سعر البيع بعد تحديد هامش الربح لتجار التجزئة وهذا  لا ينسجم مع السياسة العامة التي تتبعها الحكومة ، حيث ينبغي في هذه الحالة ان تتحمل الحكومة كافة الفروقات ما بين تكلفة الانتاج او الاستيراد وسعر البيع  والتي تخضع بدورها  للكثير من التقلبات سواء كان ذلك بسبب التضخم في الدول المصدرة أو اختلاف اسعار العملات او التقلبات الناجمة من الازمات المختلفة سياسية كانت او طبيعية  والتي تؤدي الى ارتفاع تكلفة البضاعة والشحن …. الخ ، حيث ان من الاسباب الأساسية لارتفاع الاسعار في الفترة الاخيرة الأخيرة تراجع سعر صرف الدولار ومن ثم انخفاض سعر صرف الريال العماني أمام العملات الأخرى حيث انخفض سعر صرف الريال أمام اليورو والين و الجنيه الإسترليني منذ نهاية يونيو 2010 بنسب تتراوح ما بين  12%- 18% ونتج عن ذلك ارتفاع تكلفة السلع المستوردة من تلك الدول بنسب لا تقل عن النسب المشار إليها.

واذا نظرنا الى توقعات اسعار السلع الغذائية  في العقد المقبل نجد ان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعت أن ترتفع أسعار المواد الغذائية في العقد المقبل بأكثر من 30%  ، كما خلص تقرير مشترك بين منظمة الفاو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الى ان أسعار الحبوب سترتفع بنسبة 20%، واللحوم -لا سيما لحوم الدجاج- بأكثر من 30%، علما بأن أسعار المواد الغذائية حاليا مرتفعة بنحو 40% مقارنة بأسعار العام الماضي وقد اشار التقرير الى ان موجات الجفاف والفيضانات التي تضرب عددا من مناطق العالم تشكل تهديدا جديا لمحاصيل العام الجاري، وإلى أن أسعار الأغذية ستواصل منحاها التصاعدي إلا إذا تم تعويض المخزونات التي تم استنزافها ، وحسب تقرير المنظمتين فإن الإنتاج العالمي الزراعي سيزيد بنسبة مقدارها 1.7% في السنة خلال السنوات العشر المقبلة، في حين كان ينمو بـ 2.6% سنويا في العقد الماضي، و بالتالبي فإن التراجع العالمي لعائدات المحاصيل الرئيسية ستواصل ممارسة ضغطها على الأسعار.

كيف يمكن السيطرة على قيمة السلع والمحافظة على قيمتها الاصلية؟ وما دور المستهلك في ذلك؟

نحن لا نعيش في جزيرة معزولة عن العالم كما اننا نستورد معظم موادنا الاستهلاكية من الخارج  وبالتالي لن نستطيع السيطرة على قيمة السلع والبضائع ولا المحافظة على قيمتها الاصلية حيث ان تلك السلع ستخضع للزيادة او النقصان حسب اوضاع الاسواق العالمية والعرض والطلب على السلع في السوق المحلي وسوقنا مفتوح ومن المؤكد انه في حالة استغلال البعض الوضع بزيادة الاسعار سيحاول الاخرين إستغلال الفرصة للحصول على حصة اكبر من السوق.

فيما يتعلق بالمواد الغذائية فإن البحوث الزراعية التي تمكن من زيادة انتاجية الارض بطريقة أكثر استدامة من الناحية البيئية. والاستثمار في مشروعات الري، وربط المزارعين بالأسواق، وتحسين القدرة على الحصول على التمويل من العوامل الهامة لاستقرار الحصول على بعض المنتجات الوطنية بأسعار مستقرة

و ربما تكون هنالك وكالات واحتكارات لسلع محددة  ولكن في معظم الحالات هنالك بدائل لتلك السلع تحت مسميات تجارية مختلفة وربما يمكن النظر في إلغاء الوكالات التجارية عن بعض السلع الاساسية مثل الحبوب ومنتجات الألبان والعصائر ومياه الشرب والزيوت بهدف الحد من عمليات الاحتكار والاستغلال وتعزيز المنافسة في السوق.

3- هل تحديد اسعار السلع سوف يؤثر على نشاط وحركة الاقتصاد العماني ؟ وماهي ابرز هذه التأثيرات؟

ان عملية تثبيت الأسعار من الحلول قصيرة المدى والتي كانت متبعة في الدول الاشتراكية التي تتحكم في الانتاج أو تتولى جهات مركزية حكومية بإحتكار استيراد جميع السلع وتوفير كافة الخدمات للمستهلكين في السوق المحلي بسعر محدد وفي الاقتصاديات التي تنتهج سياسة الاقتصاد الحر وسوقها مفتوح وهنالك منافسة شديدة في السوق كما هو الحال في السطنة فإنه لا يمكن ان تدوم العملية اكثر من اشهر معدودة وستؤدي بعد ذلك اما الى نقص في السلع او التحايل بإنتاجها تحت مسميات او أحجام مختلفة او تحرير الأسعار بحيث يتبع ذلك تزايدها بنسب كبيرة جداً مرة حدة بدلا من الارتفاع التدريجي ويتضرر بذلك الجميع.

لذا فإنه من غير المناسب صدور قرارات غير قابلة للتطبيق لأن ذلك سوف يخلق بلبلة كبيرة في السوق وقد يؤدي الى فقدان الثقة في الحكومة في حالة عدم التطبيق ، خاصة أنه  لا توجد بيانات كاملة عن اسعار السلع والخدمات لدى اية جهة في السطنة، كما أن مثل هذه القرارات سيكون لها تأثير سلبي كبير على الاستثمار وخلق فرص العمل ، وقد تؤدي الى نقص في السلع والخدمات في السوق المحلي وستؤدي كذلك الى ارتفاع الاسعار بدلا من خفضها.

لا يمكن ان يكون الرد على تقلبات أسعار الغذاء بتوقيف آليات سوق عمل الأسواق بل استخدامها بشكل أفضل، ومن خلال اتخاذ الخطوات الكفيلة بضمان إتاحة المواد الغذائية ويجب أن نتذكر بأن بإمكان البنادول تسكين الالام ولكنه لا يعالج السرطان.

ماذا بوسع هيئة حماية المستهلك عمله للحد من زيادة الاسعار؟

على هيئة حماية المستهلك رصد الحالات التي ارتفعت قيمتها بنسب كبيرة وما اذا كانت هنالك اتفاقات جماعية بين بعض الشركات أو الموردين حول رفع أسعار منتجاتهم أو سلعهم مما يعد إخلالاً بمبدأ المنافسة.

الدور الرئيس لمنظمات حماية المستهلك في النظم الاقتصادية الحرة مرتبط بفكرة حقوق المستهلكين ويتمثل في حمايتهم من خلال الكشف عن معلومات مفصلة عن المنتجات، وخصوصاً تلك المتعلقة بقضايا السلامة، أو الصحة العامة، كمنتجات الغذاء. أو الحماية من الغش التجاري أو الاستغلال بصورة غير مشروعة أو سوء تقديم خدمة ما عن طريق الاحتكار أوالأذعان لشروط مجحفة ، وتشكيل جمعيات تساعد  المستهلك على اتخاذ الخيارات الأفضل في الأسواق ، ويتم حماية مصالح المستهلكين عبر تشجيع التنافس في الأسواق ، وبالتالي التركيز على:-

  • صياغة القوانين التي يمكن ان تشجع التنافس وتمنع الاحتكار وتشجع التجارة العادلة.
  • انشاء مركز أبحاث وثقافة المستهلك العماني.
  • انشاء دائرة معلومات حماية المستهلك العماني وتوفر للمستهلكين المعلومات المفصلة عن السلع والخدمات والأسعار المناسبة.
  • عمل منتدى لشكاوى المستهلكين

وقد يكون من المناسب ان تقوم هيئة حماية المستهلك باجراء دراسة مقارنة مع الدول المجاورة لمعرفة ما اذا كانت أسعار السلع الاساسية في السلطنة فعلا مبالغ فيها، وكذلك إعادة النظر في مكونات مؤشر الرقم القياسي العام لتكلفة المعيشة لمعرفة الحجم الفعلي للتضخم ، وتحديد ما إذا كانت المشكلة تكمن في ارتفاع الأسعار ام في معدلات الأجور أم لأية أسباب أخرى وتقديم توصيات محددة لمعالجة اي قصور في فعالية الأداء الاقتصادي ولضمان تحقيق المنافسة والتنافسية في الاقتصاد العماني.

Shopping Cart
Scroll to Top