بيان المكرم الشيخ محمد بن عبدالله الحارثي
رئيس اللجنة الاقتصادية- مجلس الدولة
حول مشروع قانون التجارة المستترة المحال من مجلس الوزراء الموقر
معالي الدكتور رئيس المجلس،
المكرمون والمكرمات أعضاء المجلس
سعادة الدكتور الأمين العام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
لقد تم إعداد مشروع قانون مكافحة التجارة المستترة في إطار تنفيذ توصيات ندوة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في “سيح الشامخات” التي عقدت في نهاية يناير 2013م وما نود أن نؤكده أن الوضع القانوني للشركات التجارية في سنة 2020 مختلف تماما عما كان عليه في سنة 2013 بعد صدور قوانين جديدة للضرائب وللشركات التجارية ولاستثمار رأس المال الأجنبي في السنوات الأخيرة.
ماهية التستر التجاري
لقد قمت منذ عدة سنوات بدراسة موضوع التستر التجاري الذي تم نشر نتائجه في مقابلة صحفية، وعليه بداية اسمحوا لي أن ألقي بعض الضوء على الملامح الرئيسية لموضوع التجارة المستترة من الناحية الاقتصادية، وموقعها في الاقتصاد العالمي بشكل عام، وفي الاقتصاد العماني بشكل خاص، وأشكالها وتأثيراتها، والدراسات التي أجريت حولها في مختلف دول العالم، آملا أن يسهم ذلك في اعتمادكم للمواد المقترحة من اللجنة الاقتصادية على مشروع القانون بما يخدم الاقتصاد الوطني.
في الواقع لقد توجهت تعريفات الباحثين الاقتصاديين للتجارة المستترة اتجاهات مختلفة فقد ربطها البعض بالناتج القومي غير المحسوب، بينما ربطها آخرون بالإيرادات التي لا يصرح بها للسلطات الضريبية، والتي يمكن أن تكون ضمن أو أن تكون خارج العملية الحسابية للدخل القومي. الجدير بالإشارة أن هذه ظاهرة عالمية لا تخص السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي فقط بل تتشارك فيها جميع دول العالم وتختلف أساليبها ونسبها من دولة إلى أخرى، وهي ليست ظاهرة جديدة بل هي من الظواهر القديمة ولكنها أخذت تتعاظم مع نهاية القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية مع تجارة التبغ غير المشروعة وصناعة المشروبات الكحولية وتجارة المخدرات، هذا يعني أن التبدل في التستر التجاري هو تبدل في المحتوى وليس في الطبيعة ولقد ازداد الاهتمام به ودراسته في السنوات الأخيرة فقط.
لقد أطلقت تعبيرات متعددة على هذا القطاع في مختلف دول العالم حيث سميت بجانب التجارة المستترة والتستر التجاري، الاقتصاد الخفي و الاقتصاد التحتي، والاقتصاد الأسود، والاقتصاد غير المرئي، والاقتصاد المغمور، والاقتصاد السفلي، والاقتصاد غير الرسمي، والاقتصاد الثاني، والاقتصاد غير المسجل، واقتصاد الظل ، والاقتصاد المقابل، واقتصاد الباب الخلفي، وغيرها من الأسماء. وأيا كانت التسمية فإن الاقتصاد الخفي يعد من الظواهر المعقدة والتي تضم الكثير من الجوانب المختلفة والمتشابكة والتي تحتاج إلى درجة أكبر من التحليل والفهم ، وفي الواقع من الصعب حصر أو معرفة الحجم الدقيق للاقتصاد الخفي في كل دولة بالرغم من وجود دراسات وتقديرات لها على مستوى مختلف دول العالم.
وهنا تكمن أهمية قيام كل دولة بتعريف ما تقصده من هذه التجارة بما يخدم اقتصادها الوطني واستنادا إليه يمكن تحديد مهمة قياسه وتقدير حجمه والهدف المطلوب تحقيقه والسياسات الناجعة لتحقيق تلك الأهداف، خاصة في ظل عدم وجود اتفاق على تعريف محدد له، حيث إنه يختلف من شخص لآخر حسب مفهومه للأنشطة التي تتم في أي اقتصاد. فإذا اعتمدنا على سبيل المثال التعريف الذي يربطه بجزء من الناتج الوطني الإجمالي الذي كان يجب أن يدخل في حساباته ولكنه لم يدرج ضمنها، أو التعريف الذي يربطه بكافة الدخول التي لا يتم الكشف عنها للسلطات الضريبية والتي قد تدخل أو قد لا تدخل ضمن حسابات الدخل الوطني فبالرغم من أهميتهما إلا أنهما في الواقع يؤديان إلى نتائج مختلفة وبحاجة إلى سياسات مختلفة للتعامل مع الإشكاليات المرتبط بهما.
تنقسم التجارة المستترة إلى نوعين رئيسيين: الاتجار في الأنشطة المشروعة، والاتجار في الأنشطة غير المشروعة. ويشمل الإتجار في الأنشطة المشروعة إنتاج وبيع سلع وخدمات مشروعة لا تعتبر مخالفة للقانون والأنظمة بطبيعتها ولكنها غير معلنة ولا تُسجل ضمن حسابات الدخل القومي. الجانب الآخر يشمل إنتاج وترويج سلع وخدمات تدخل ضمن الأنشطة غير المشروعة والمخالفة للأنظمة والقوانين مثل تهريب المخدرات، والسلع المحظورة وبيع السلع المسروقة، والدعارة وتجارة السلاح وكذلك تهريب الأموال خاصة التي تدخل ضمن صفقات الفساد الإداري.
تقدير حجم التستر التجاري
يتفق الباحثون في مجال التستر التجاري على أنه من الصعب تقدير الحجم الحقيقي لهذا الاقتصاد تقديرا دقيقا لأنه في الأساس اقتصاد خفي يتسم بالسرية والبعد عن الجهات التنظيمية. إلا أن ذلك لم يمنع من محاولة التوصل إلى تقدير حجمه مع ملاحظة وجود تضارب في تقديراته بسبب عدم الاتفاق على تعريف محدد له، وعليه يختلف التقدير باختلاف تعريف الأنشطة التي يتم تقديرها. ولقد تعددت الأساليب المستخدمة في تقدير حجم التستر التجاري التي تختلف باختلاف المدخل المستخدم في القياس. ولذلك لا يستطيع أي من الذين تناولوا هذا الموضوع الجزم بأنهم قد قاموا بتقدير حجم التستر التجاري بدقة كاملة.
يستخدم الاقتصاديون مجموعتين من الأساليب لتقدير حجم التستر التجاري: المجموعة الأولى تتمثل في الأساليب المباشرة التي تقوم على أساس تقدير الأنشطة التي تتم في التجارة المستترة وتجميع هذه الأنشطة للتوصل إلى تقدير للمعاملات التي تتم في هذا الاقتصاد. ولكن بسبب صعوبة الأساليب المباشرة وتعقيداتها تم استخدام أساليب أخرى غير مباشرة تقوم على محاولة اكتشاف الآثار التي تترتب على وجود مثل هذا الاقتصاد وأهم الأساليب التي استخدمت لذلك الآتي :
- مدخل الفروق بين الدخل والإنفاق: حيث يتم تقدير حجم التستر التجاري باحتساب الفروق بين الدخول المسجلة والإنفاق الفعلي.
- مدخل المراجعات الضريبية: ويتم من خلال المراجعة الضريبية لعينة من الأفراد الذين قدموا إقراراتهم الضريبية للتأكد من مدى صحتها، وتحديد نسبة التهرب الضريبي على المستوى الوطني.
- مدخل سوق العمل: يقوم على أساس استخدام المسوحات لتحديد الفرق بين معدلات المشاركة الفعلية في سوق العمل وتلك المسجلة بشكل رسمي وعلى أساسه يتم تقدير حجم العمالة غير المنتظمة وبالتالي حجم التجارة المستترة.
- المداخل النقدية: يفترض أن معاملات التجارة المستترة تتم أساسا باستخدام المبالغ النقدية بهدف إخفاء الحجم الحقيقي للمعاملات وينعكس ذلك على ارتفاع الطلب على النقود السائلة. ويتم تحديد حجم التجارة المستترة عن طريق احتساب كمية النقود اللازمة لتمويل معاملات التجارة المستترة بخصم الطلب على النقود اللازم لتمويل المعاملات التي يمكن أن تتم في ظل غياب التجارة المستترة من حجم الطلب على النقود في الاقتصاد ككل، وقياس سرعة تداول النقود في التجارة المستترة. (أو استخدام أسلوب معدل النقود السائلة إلى الودائع تحت الطلب أو احتساب المبادلات من خلال اشتقاق حجم الناتج الوطني باستخدام الأساليب النقدية ثم خصم حجم الناتج الوطني الإجمالي للتجارة المستترة من هذا الإجمالي لتقدير حجم التستر التجاري).
حجم التستر التجاري
من الملاحظ أنه لم تتم حتى محاولة استخدام أي أسلوب من هذه الأساليب لتقييم حجم التستر التجاري واقتراح السياسات المناسبة لمعالجته قبل إعداد مشروع القانون.
وبالرغم من عدم وجود دراسات حول موضوع التستر التجاري وتشخيص أسبابها بمنهجية علمية في المنطقة توجد هنالك جهود تبذل بين الفترة والأخرى لمعالجة هذه الظاهرة، خاصة أن حجمها في المنطقة يعتبر مقبولا مقارنة بالوضع في الكثير من دول العالم الأخرى؛ حيث أظهرت نتائج دراسة أصدرها صندوق النقد الدولي أن تقديرات حجم الاقتصاد الخفي تتراوح بين 35 -44 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في البلدان النامية، وبين 21 -30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في بلدان التحول الاقتصادي، وبين 14 -16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
بينما أظهرت دراسة أخرى أجراها منذ عدة سنوات أحد الباحثين في جامعة لينز الألمانية بالتعاون مع معهد دراسات العمل عن الاقتصاد الخفي والتي شملت 162 دولة أن نسبها على مستوى الدول العظمى في العالم تتراوح ما بين 8،6% في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بريطانيا 12،5% وفي فرنسا 15% وفي المانيا 16% وفي الصين 12،7% بينما بلغت في روسيا حوالي 44%.
وترتفع النسبة في بوليفيا لتصل إلى 66%، وفي نيجيريا 56%، وتزيد في تايلند على 50%، وتصل إلى 39% في البرازيل، و 35% في المغرب وباكستان، و 27% في إيطاليا و22% في الهند.
وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي نجد أن نسبتها في البحرين 17،9% ، وفي السعودية 18،0%، وفي سلطنة عمان 18،4%، وفي قطر 18،7%، وفي الكويت 19،3%، و تصل في الإمارات 25،8%.
أسباب التستر التجاري في السلطنة
هنالك أسباب عديدة لانتشار هذه الظاهرة بعضها تتعلق بالمواطن مثل عدم توفر رأس المال والخبرة، أو الرغبة في زيادة الدخل أو تنويع مصادر الدخل بصورة أسرع، ويحدث أحيانا استغلال حسن النية أو العاطفة الشخصية والثقة المفرطة لدى المواطن تجاه المتستر، وعدم إدراك المخاطر المترتبة عليها، وأخيرا التكاسل، وعدم الثقة بالنفس، والخوف من المنافسة التجارية. الجدير بالإشارة إليه أن الكثير من التجارب أثبتت أن زيادة الباحثين عن عمل ونسبة الفقر تؤدي إلى انخفاض مستوى الدخل الذي يسهم بدوره في ارتفاع معدلات الجريمة، وازدهار أنشطة الاقتصاد الخفي مع استمرار البطالة وانخفاض مستويات الدخل مع الرغبات في تحقيق مستوى معيشي أفضل.
وثمة أسباب أخرى تتعلق بالمستتر أو المستثمر الأجنبي أساساً تعود إلى عدم مساواته بالمواطن ووضع قيود على ممارسته الأنشطة التجارية والصناعية، إضافة إلى عدم توفر البيئة الاستثمارية والتجارية المناسبة، مثل منح الأجنبي صلاحيات مماثلة للمالك/المواطن من حيث إبرام عقود نيابة عن المواطن، ووضع قيمة المبيعات في الحساب الشخصي، إضافة إلى التعقيدات الإدارية والقيود الحكومية التي تؤدي إلى زيادة الدوافع لدى الأفراد للتحايل على هذه النظم والقواعد.
كما تشير الدراسات إلى أنه عندما تحاول الدول تنظيم العمل في السوق تحاول بعض فئات المجتمع تجاوز تلك الأنظمة وينشأ ما يسمى بالاقتصاد الخفي أو التجارة المستترة، وفي الواقع يمكن القول: إن الخدمات التي تقدمها التجارة المستترة طبيعية، وهي ناجمة عن قوة عوامل السوق لسد الفجوة بين العرض والطلب نتيجة لمحاولة الحكومات تنظيم الأنشطة التجارية ووضع حواجز قانونية لها. والكثير من الحكومات تعالجها بالحد من تدخلاتها في أعمال الاقتصاد وترك المنافسة تأخذ مجراها ورفع العوائق وفرض رسوم عادلة على الجميع، حيث تسهم الضرائب والرسوم المرتفعة في حدوث ظاهرة الاقتصاد الخفي في الكثير من الدول، وتكون المخاطرة والتحول للاقتصاد الخفي أكثر جدوى كلما زاد التدخل الحكومي؛ ما يُضعف من إمكانية تقليص حجم التستر.
الآثار المترتبة على التستر التجاري:
في الواقع يوجد للتستر التجاري آثار سلبية وأخرى إيجابية.
الآثار السلبية للتستر التجاري:
من اهم إشكالاتها أنها تقدم بيانات اقتصادية غير صحيحة قد ينجم عنها قرارات اقتصادية خاطئة أو غير متوازنة. فمقاييس الاقتصاد مثل الناتج المحلي ومستويات الباحثين عن عمل والتضخم كلها يتم استخلاصها عادة من بيانات العمليات الاقتصادية المعلنة والمسجلة نظاماً، وهذه المعلومات تسهم بطريقة أو بأخرى في تخصيص موارد الموازنة وفي التخطيط التنموي وتوجيه الموارد والمشاريع، فإذا كانت هذه البيانات والأرقام لا تمثل حقيقة الوضع الاقتصادي بسبب تأثيرات الاقتصاد الخفي في هذه الأرقام؛ فإن واضعي تلك السياسات سيواجهون في إطار عملهم وضع مؤشرات غير واقعية ما سيؤدي إلى وجود سياسات مختلة، واختلال الاستقرار الاقتصادي، ومن ثم خلق مشكلات وتشوهات اقتصادية جديدة، إضافة إلى تأثيره السلبي على فعالية السياسة النقدية في الاقتصاد.
وحيث إن معظم المعاملات تتم بالشكل النقدي المباشر؛ فإن زيادة الأنشطة المختلفة في إطار معاملات التستر التجاري تؤدي إلى زيادة الطلب على النقود ويصبح أحد الدوافع الأساسية للاحتفاظ بها، وهو ما يؤثر على فعالية السياسة النقدية، بسبب زيادة اعتماد التعاملات في مجال التستر التجاري على الأساس النقدي، والتي تشكل في حقيقتها احتياطيات البنوك والنقود السائلة المفترض أن تكون تحت تحكم وسيطرة السلطة النقدية.
إضافة على ذلك تعمل على إضعاف الكفاءة الاقتصادية عن طريق الإخلال بتوزيع الموارد، وهو ما يحدث على أرض الواقع فعليا بسبب المنافسة غير العادلة بين الأنشطة غير القانونية للاقتصاد الخفي وأنشطة الاقتصاد الرسمي؛ حيث تجتذب معاملات الاقتصاد الخفي والتستر التجاري نصيبا من الموارد المالية البشرية المتاحة بسبب تكاليفها الأدنى من مثيلاتها في الاقتصاد الرسمي التي ينظر إليها على أنها غير مجدية وغير منافسة، ما يتسبب في اتساع وانتشار معاملات التستر التجاري التي يذهب جزء من عوائدها إلى القوى العاملة الوافدة، والذين بدورهم يقومون بتحويلها إلى الخارج بدلا من استفادة الاقتصاد الوطني منها، وهو ما يشكل تسربا للاقتصاد العماني.
الآثار الإيجابية للتستر التجاري:
في الوقت ذاته تشير الدراسات إلى أنه بالرغم من سلبيات الاقتصاد الخفي إلا أنه يوجد العديد من الفوائد مرتبطة بوجوده والتي يجب أخذها بالاعتبار أيضاً. حيث توصلت إحدى الدراسات إلى أنه وفق المعدلات العالمية فإن أكثر من 66% من المكاسب التي يتم تحقيقها في الاقتصاد الخفي يتم إنفاقها مباشرة في الاقتصاد الرسمي وينجم عن ذلك آثار إيجابية على النمو الاقتصادي وإيرادات الضرائب المباشرة.
بجانب ذلك فإن بعض أنشطة الاقتصاد الخفي قد تُسهم في انخفاض معدلات البطالة إذا تمكنت من توفير فرص عمل خارج إطار الاقتصاد الرسمي.
هذا بالإضافة إلى تخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين بسبب مساهمتها في تقديم السلع والخدمات بأسعار أقل من تلك التي يقدمها الاقتصاد الرسمي.
وترى بعض الدراسات أن وجود اقتصاد خفي منتج وديناميكي يعد ضرورة لعملية الاستقرار الاقتصادي، خصوصا في بيئة الأعمال التي تتسم بجمود في الاقتصاد الرسمي الذي ينجم عنه ارتفاع معدلات الإفلاس بين المنشآت ورفع معدلات البطالة. وتضطر بعض الدول للتوقف عن سياسات مكافحة التضخم بسبب ضغوط الرأي العام وتتوجه إلى سياسة أكثر تكلفة من الناحية السياسية من خلال السماح للتضخم بالاستمرار بهدف تحقيق فرص وظيفية أكثر. وهنا يلعب الاقتصاد الخفي دور المهدئ الاجتماعي. وتوصلت احدى الدراسات إلى أن وجود اقتصاد منتج ومرن أصبح أساسا مهما لنجاح عملية الاستقرار الاقتصادي.
كيفية التعامل مع التستر التجاري؟
عند التعامل مع التستر التجاري تعمل الحكومات على مواجهته من خلال التتبع والسيطرة على القوى العاملة غير النظامية وغسيل الأموال، وعمليات التهرب والتجنب الضريبي. وهنالك إقرار عالمي على صعوبة القضاء عليها ومن مصلحة الاقتصاديات الوطنية معالجة أسباب قيام التجارة المستترة المتمثلة في الأنظمة الحكومية والعوائق التي تضعها وأن تكون نقطة الانطلاق بالنسبة لنا في تعريف ما نقصده بالتجارة المستترة ودراسة كيفية الحد منها وليس بالضرورة القضاء عليها وذلك بأقل تكلفة على المستهلك مع الأخذ في الاعتبار آثارها الإيجابية من خلال الانتفاع منها، وبالتالي فإن محاربة تلك الأنشطة لا يعني وجوب التخلص منها ولكن العمل على تصحيح أوضاعها ومراعاة الآثار الإيجابية الناجمة عنها والتعامل مع جوانبها السلبية وتنظيمها.
وفي هذا الصدد يمكن تحويل الأنشطة الكبيرة منها إلى نظام الاستثمار الأجنبي بترخيص رسمي وكذلك تسهيل إجراءات منح الرخص للمستثمرين الأجانب وفسح المجال أمامهم في معطم الأنشطة الاستثمارية – وهذا ما حدث مع قانون الشركات التجارية وقانون الاستثمار الأجنبي وما سعينا إلى تحقيقه في هذا القانون ليتسق مع منظومة تلك القوانين –. حيث سيساعد ذلك على انسياب الحركة التجارية والخدمية وبالتالي الحصول على إيرادات من الضرائب وزيادة إيرادات الدولة بالإضافة إلى توليد فرص وظيفية للعمانيين وإلزام أصحاب المحلات التجارية أو الخدمية بإمساك سجلات محاسبية منتظمة وتجريم إيداع إيرادات الحسابات التجارية في الحسابات الشخصية ومن المؤكد أنه يمكن لقانون الضرائب الجديد الذي ألزم جميع المؤسسات العاملة في السلطنة بتقديم إقراراتها الضريبية، ومشروع قانون الاستثمار الأجنبي الذي سمح بممارسة الأجنبي جميع الأنشطة ما عدا تلك التي يصدر وزير التجارة والصناعة قرارا بحظر ممارستها من قبل الأجنبي، وإلغاء شرط حجم راس المال، سوف تسهم بشكل كبير في معالجة سلبيات هذه الظاهرة.
معالي الدكتور الرئيس ، المكرمون والمكرمات الأعضاء ، سعادة الأمين العام
لقد تضمنت المذكرة التوضيحية بشأن مشروع قانون مكافحة التجارة المستترة ثلاث نقاط رئيسة هي: المبررات وأهداف المشروع وأهم ما تضمنه مشروع القانون.
وجاء مشروع القانون في (19) مادة قسمت على ثلاثة فصول على النحو الآتي:
الفصل الأول: تعاريف وأحكام عامة.
الفصل الثاني: ضبط المخالفات والتصرف فيها.
الفصل الثالث: العقوبات.
في تقديري الشخصي يمثل هذا القانون رغم صغر حجمه ومحدودية مواده تحديا كبيرا أمام مجلس عمان باعتباره أول قانون يعرض على المجلس في دورته الحالية، وأول قانون يناقش في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق، خاصة أن المذكرة التوضيحية المرفوعة من وزارة التجارة والصناعة والمرفقة بمشروع القانون تفتقر للمعايير المهنية ولا ترقى لرفعها إلى مجلس عمان. كما أن مجلس الشورى أشار في مذكرته المرفوعة إلى مجلس الدولة إلى أنه أراد أن يضع كل تحديات إحالة مشروع القانون أمام مجلس الدولة لتحديد رؤية متكاملة للمجلسين. ولم يبق أمام مجلس الدولة سوى أن يتحمل المسؤولية.
سوف تكون لنتائج مناقشات مجلس عمان لهذا القانون في نهاية هذه الجلسة دلالات كبيرة ومؤشر قوي على مدى قدرتنا على تحمل مسؤولياتنا ومواجهة التحديات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد العماني، وهل سيكون دورنا مجرد اعتماد قوانين تتضمن مواد هجينة منقولة من قوانين أخرى بدون روح ولا علاقة لها بأوضاعنا الاقتصادية وأضرارها أكثر من فوائدها أم أننا قادرون على ترجمة قوانيننا إلى سياسات اقتصادية تمكننا من تحقيق أهداف برنامج عمل صاحب الجلالة السلطان المعظم الذي تحددت ملامحه بتاريخ 23 فبراير الماضي؟
إضافة إلى الخلفيات التي قدمتها في بياني هذا ؛ أعدت اللجنة الاقتصادية مذكرة حول مشروع القانون استهدفت تشخيص وضع التجارة المستترة لتحديد مدى الحاجة لإصدار هذا القانون في ظل وجود القوانين والإجراءات المشار إليها، وإمكانية تفعيلها.
ولقد رأت اللجنة الاقتصادية إمكانية إصدار قانون جديد للتستر التجاري تمشيا مع توجهات الحكومة الرشيدة بعد تعديل وإضافة مواد جديدة له لضمان أن عائدات تطبيقه ستكون أكبر من تكلفة تطبيقه، وأن أثره على الاقتصاد سوف يكون إيجابيا ولا يحدث صدمات للقطاعات الاقتصادية ذات التركز الأعلى في التستر التجاري يدفع ثمنها المواطن العماني خاصة من ذوي الدخل المحدود ، مع ضرورة أن يتضمن المشروع تعريف دقيق لمفهوم التستر التجاري وسياسات يمكن من خلالها الحد من التستر التجاري ويمكنه من التعامل مع مختلف القضايا بما في ذلك الآتي:
- إضافة تعديلات تسهم في خدمة الاقتصاد الوطني، وتحقق التوازن بين العرض والطلب في السوق ولا تؤدي إلى آثار تضخمية كبيرة، وفي الوقت ذاته يمكنها دمج التجارة المستترة في الاقتصاد الرسمي بما يحقق إيجاد فرص عمل للمواطنين وتحقيق المزيد من الإيرادات للدولة.
- وحيث إن التستر التجاري غالبا ما يتم من خلال سجلات أو رخص لمواطنين لم يكن في الأساس لديهم التأهيل والجدية اللازمة والتفرغ لمباشرة نشاطاتها، في ظل حسن نية المواطن وثقته المفرطة بالوافد في كثير منها؛ تم وضع آلية لتقنين ما يمكن تقنينه بما يخدم الاقتصاد الوطني ويهدف إلى تعظيم استفادة جميع الأطراف وتجنيب المواطن ما سيترتب عليه من التزامات وديون للآخرين دون علمه، وتعرضه للعقوبات عند مخالفته للنظام.
- حذف المواد التي يمكن أن تكون مصدر تهديد مستمر لأي نشاط تجاري حقيقي بأي شكل من الأشكال.
- حصر الجهة التي يناط بها تنفيذ القانون في وزارة التجارة والصناعة، وإغلاق فتح الباب لكل الجهات للتدخل في تفاصيل النشاط الاقتصادي تجنبا لأن يصبح القانون ذريعة للتدخل في النشاط الاقتصادي المتراجع أساسا، وذلك فق نفس الأسس المعتمدة حاليا في حالة قانون الاستثمار الأجنبي وقانون الضرائب.
- تتولى لجنة مختصة إجراءات النظر في التأكد من حالات التستر التجاري المحال إليها من الضبطية القضائية وإحالتها للادعاء العام لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
ووفقا لهذه الموجهات قدمت اللجنة الاقتصادية رأيها حول مواد مشروع القانون، واقترحت إضافة بعض المواد باعتبارها سياسات اقتصادية ضرورية لتحقيق أهداف المشروع، آملين من الأعضاء المكرمين اعتمادها عند مناقشة مواد المشروع.
وختاما يسرني أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير لكل من أبدى ملاحظاته على مواد مشروع القانون، وأخص بالشكر مجلس الشورى والمكرمين أعضاء اللجنة القانونية ، وأعضاء اللجنة الاقتصادية، والفريق الفني المساعد في اللجنتين، ومركز المعلومات والبحوث بالمجلس.
وشكرنا الخاص للمكرم محمد العلوي على ما تكبد من جهود كبيرة ومٌقدرة وملاحظاته القيمة المهمة على مشروع القانون، والمكرمين الشيخ سعيد البريكي والدكتور عبد الله الكمالي والمهندس عادل اللواتي على ملاحظاتهم الكتابية للجنة. كما أشكر مقدما أعضاء المجلس المكرمين، لتقديمهم أية مقترحات أو ملاحظات موضوعية والتي من شانها أن تسهم في تعزيز مواد مشروع هذا القانون. أما الملاحظات اللغوية والأخطاء المطبعية فيرجى تزويدنا بها كتابيا حتى تؤخذ في الاعتبار عند صياغة النسخة النهائية، مع جزيل الشكر والتقدير.
والله ولى التوفيق،،،،

